Saf7aone

Menu

هيكل.. “الشاهد الوحيد” يروي كواليس خطاب تنحي عبد الناصر

“الليلة ورغم أنها كانت 24 ساعة، لكن أظن أن ما جرى فيها كافيًا ليملأ مجلدات بكاملها، أتعجب كيف مرت تلك الليلة؟ كيف طلع صباح هذا اليوم؟ وأنا تصادف أو بالظروف كنت تقريبا في تلك اللحظة في بؤرة ما كان يجري في بؤرة الحوادث”.. كلمات قليلة يصف بها الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل، الشاهد الوحيد على تفاصيل خطاب التنحي، كواليس ليلة 10 يونيو، يوم تقدم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر باستقالته للشعب المصري. نكسة يونيو والهزيمة التي طالت الجيش المصري كانت سببًا رئيسيًا في قرار الاستقالة، ففي الوقت التي كانت الصحف لا تزال تتحدث عن المعارك الضارية التي تدور بشراسة على الجبهة، والإذاعة تعلن أرقام الطائرات المعادية التي يتوالى سقوطها، كان عبدالناصر يقرأ كشفًا وصله للتو بخسائر الجيش المصري، وعندها على حد تعبير هيكل “أحس بهول الكارثة وأدرك أنه لن تكون هناك ضربة ثانية أو ثالثة”، ومع ذلك حاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وطلب من القادة الميدانيين الصمود، لكنه عندما أدرك أن الأمر أصبح غير قابل للسيطرة، اتصل بوزير الخارجية محمود رياض، ليطلب من السفير القوني سفير مصر في الأمم المتحدة نيويورك، إبلاغ موافقة مصر على وقف إطلاق النار. خلال جلسة منفردة جمعت عبدالناصر مع عبدالحكيم عامر، اقترح الزعيم تقديم استقالته للشعب، وأن يكون شمس بدران رئيسًا مؤقتًا لمصر، ووافق عامر، بعدها اتصل ناصر بهيكل في مكتبه بصحيفة الأهرام، ووصف هيكل تلك المكالمة في كتابه “الانفجار”، قائلًا “وبدا صوته لأول وهلة على التليفون مثقلًا بهموم الدنيا كلها، وقد سألني ما الذي أقترح عمله، وكان رأيي أنه لم يبق أمامه غير الاستقالة وكان رده بالحرف: غريبة هذا ما فكرت فيه تمامًا، وكان ردي أنه ليس هناك خيار آخر. وكان تعليقه بالموافقة”. طلب “جمال” من “هيكل” كتابة خطاب التنحي، ظل هيكل يكتب مسودات الخطاب طيلة الليل، وفي الصباح اتجه لبيت عبد الناصر ومعه مشروع الخطاب “الذي أرهقتني سطوره أكثر من أي شيء آخر كتبته من قبل، وظننت أنني حفظت العبارات والألفاظ من كثرة ما راجعتها وغيرت فيها وبدلت”. ووصف هيكل تعبيرات وجه عبدالناصر في ذلك الوقت: “أضاف إلى عمره 10 سنوات على الأقل، كان مرهقًا بشكل يصعب وصفه، وكانت في عينيه سحابة حزن لم أرها من قبل”، وذلك قبل أن يتناقشا سويًا في تفاصيل الخطاب، بعدها، اختلف ناصر وهيكل على نص عبارة في الخطاب، كانت هي أهم العبارات فيه وربما هي أشهر عبارة في الخطاب بعد ذلك، وهي عبارة كانت صيغتها الأولى تقول: “وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي من الأزمة، فإنني على استعداد لتحمل نصيبي من المسؤولية”، واعترض ناصر مؤكدًا أنه يتحمل المسؤولية كلها، وهنا يعلق هيكل: “ولم أختلف معه فيما قال، وأعدت صياغة العبارة على الفور فجعلتها كالآتي: “إنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها”، وكان تعليق ناصر على هذه الصياغة الجديدة: “تلك هي الحقيقة وهذا أدق وأكرم”. عقب الاتفاق على الخطوط النهائية للخطاب، حمل هيكل خطاب التنحي وتوجه به إلى مكتب سامي شرف، مدير مكتب عبدالناصر؛ لتتم كتابته على الآلة الكاتبة، ثم عاد هيكل بعدها إلى ناصر، ودار بينهما حوار طويل عن الساعات، كان أبرز نقاطه ما ذكره هيكل في كتابه: ناصر: لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم، لهم الحق. هيكل: ليس هناك ضرورة لأن تدفع مشاعرك إلى هذه الدرجة، فما حدث لك شيء حدث من قبل كثيرًا في التاريخ، واعتقادي أن البلد واجه نكسة، ولكنه قادر على القيام منها بقواه الذاتية. ناصر: إنني أتصور أن الناس بعد مفاجأة استقالتي، سيطلبون معرفة الحقيقة فيما حدث، وهو حقهم، ولست أعرف السبيل إلى تحقيق هذا الطلب، فهو ضروري لمستقبل العمل، ولكني أخشى أن يتصور أحد أنني بأي شيء أقوله أحاول إشراك غيري في المسؤولية، والله يعلم أنني لا أفكر في أي شيء من ذلك، فأنا نازل عند حكمة الله في قضائه ولكن الحقيقة يجب أن تكون واضحة للناس. انتهى الحوار وتوجه البطل الهمام، في نظر شعبه، ليلقي كلماته الأخيرة “وأقول لكم إننى على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، ولقد اتخذت قرارًا أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه: لقد قررت أن أتنحى تمامًا ونهائيًا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر..”، تلك الكلمات التي قوبلت بصمت رهيب، مصحوب بمشاعر حزن دفينة، تحولت فيما بعد إلى صراخ وهتافات تقول: “ناصر.. ناصر.. كلنا عايزين ناصر”

التعليقات

قول تعليقك