Saf7aone

Menu

قصة صفعة وجهتها المخابرات المصرية إلى إسرائيل: «الطيار المختل» يعود في صندوق خشبي من الأرجنتين

«تلك الخرافة الملعونة.. نريدها.. نريدها سليمة في أزهى ثيابها وحُلّيها.. لنزيل بها حاجز الخوف القابع بصدور طيارينا.. ونتحسس ملكاتها الأسطورية التي يخيفنا العرب بها.. فبامتلاكها.. سوف نضمن الغلبة لإسرائيل.. ونُؤمّن بذلك مستقبل دولتنا.. وأولادنا.. إلى الأبد..».. هكذا قال ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي، موجها حديثه إلى رئيس الموساد وقتها مائير عاميت، معبرا عن إصراره على ضرورة امتلاك الطائرة الأسطورة «ميج 21»، كما نقلت عنه الصحف الإسرائيلية، وفقا لكتاب «العملية 007 – اغتيال الطيارين العراقيين الثلاثة وهروب أول طائرة حربية عربية إلى إسرائيل» للكاتب فريد الفالوجي، الصادر عام 2003 عن مكتبة «مدبولي» ضمن سلسلة «من ملفات الجاسوسية».

وفي منتصف القرن الماضي، نجح الاتحاد السوفييتي في التحليق عاليًا في سماء سلاح الجو بعد تقديمه طائرات متفوقة على نظيرتها الأمريكية، ولا يخفى على أحد أن سر التفوق السوفييتي حققته طائرة مقاتلة اسمها «ميج 21» Mig21، التي امتلكتها الجيوش العربية في سوريا ومصر والعراق، ولم تنجح إسرائيل في الوصول لها.

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/9/98/Sharon_and_Ben_Gurion_(1957).jpg

الطائرة المقاتلة «ميج 21»، حقق بها السوفييت أرقامًا قياسية لم تكن مألوفة من قبل، واعترفت بها المنظمة العالمية للطيران، إذ طار الكولونيل في الجيش السوفييتي جورجي مرسولوف بطائرة من طراز E66، وحقق بها معجزة عالمية للسرعة في أكتوبر 1959، مقدارها 2388 كيلومترًا في الساعة، طوال مسافة من 15 إلى 25 كيلومترًا، وكانت الطائرة مزودة بمحرك توربيني نفاث من نوع tdr mkr 37f.

في 28 أبريل 1961، تمكن طيار سوفييتي آخر من الوصول بها إلى ارتفاع خارق، حطم به الأرقام العالمية، وبلغ 34 ألفًا و714 كيلومترًا، وهو رقم تعجيزي لم يتحطم قط لأعوام طويلة، عندما زُوّدت الطائرة بمحرك صاروخي إضافي مساعد.

وخلال عرض جوي بمطار «دوموديدوفو»، قامت الطائرة ببيان عملي للإقلاع، وتفجرت مفاجأة صاعقة للعقول العسكرية في الغرب، عندما أقلعت الطائرة بعد مسافة جري على الممر 150 مترًا فقط، في حين أن الطائرتين الأمريكيتين «سكاي هوك» و«فانتوم» تحتاجان مسافتي «1445 و1525 مترًا للإقلاع»، أما المقاتلة الفرنسية «ميراج 3» التي كانت تتباهى إسرائيل بامتلاكها، فكانت تحتاج لمسافة 1600 متر للإقلاع.

وهذه الإمكانيات جعلت ديفيد بن جوريون، رئيس الوزراء الإسرائيلي في ستينيات القرن الماضي، يصر على ضرورة امتلاك هذه الطائرة الأسطورة «ميج 21»، ونقلت عنه الصحف الإسرائيلية قوله لرئيس الموساد: «تلك الخرافة الملعونة.. نريدها، نريدها سليمة في أزهى ثيابها وحُلّيها، لنزيل بها حاجز الخوف القابع بصدور طيارينا، ونتحسس ملكاتها الأسطورية التي يخيفنا العرب بها، فبامتلاكها سنضمن الغلبة لإسرائيل، ونُؤمّن بذلك مستقبل دولتنا، وأولادنا، إلى الأبد».

وكان «الموساد» يحاول بشتى الطرق أن يلبي رغبة الولايات المتحدة وجهاز مخابراتها للوصول إلى الطائرة المنشودة، وفي البداية اقترح أعضاء الموساد أن يتم زرع طيار إسرائيلي وسط الطيارين العرب، إلا أن الفكرة كانت مستحيلة، وظهرت فكرة أخرى هي تجنيد أحد الطيارين العرب لصالح إسرائيل، لكن هذا صعب أيضًا لأن الدول العربية وفرت للعاملين بمجال الطيران الحربي معيشة مستقرة تغنيهم عن أي شيء.

http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/e/e4/Meir_Amit.jpg

وأمام ذلك لم يتبق سوى ضمان هروب أحد الطيارين العرب بالطائرة «ميج 21»، والوصول بها إلى مطار «اللد» في تل أبيب بإسرائيل سالمًا، واستمرت المحاولات والإغراءات منذ بداية الستينيات حتى عام 1964، وحدث ما لم يكن متوقعًا عندما هرب الطيار المصري عباس محمود حلمي، المعروف بـ«الطيار المختل» بواسطة طائرة تدريب سوفييتية قديمة من طراز «ياك 15» ذات مقعدين.

الكاتب فريد الفالوجي، الذي أرخ لـ«العملية 7» من ملف المخابرات المصرية، قال: «رغم خيبة الأمل التي أصابت الإسرائيليين بسبب نوع الطائرة، إلا أن الطيار المصري استقبل بحفاوة بالغة في إسرائيل، واستغل حادث هروبه أسوأ استغلال في التشهير بالنظام المصري، وادعوا أن عباس حلمي هرب احتجاجًا على تدخل مصر في اليمن، وضرب القوات الملكية هناك بالغازات السامة، وبالأسلحة غير المشروعة دوليًا، ما أثر على أعصابه وعلى إيمانه بالقومية العربية وبالعروبة، وكان مائير عاميت رئيس الموساد وقتها من أشد امتحمسين لهذ الطيار ووجده فرصة جيدة لإسرائيل».

http://media.akhbaralaalam.net/250x190/2012/09/10/-390477618.jpg

وأُخضِع «حلمي» لاستجواب دقيق، وسئل مئات الأسئلة، ولم يكن بمقدوره ادعاء الجهل بأشياء كثيرة تتعلق بأدق التفاصيل عن «الميج 21»، فقد كان أحد طياريها، وأدرك بعد فوات الأوان، أنه ارتكب جريمة الخيانة العظمى في حق وطنه، لذلك كان عليه أن يستغل معلوماته العسكرية للحصول على الأمن والحماية أولًا، ولتحقيق أكبر عائد مادي ثانيًا بما يكفل له حياة مستقرة في وطنه الجديد.

وظل لدى رجال الموساد شكوك حول العملية برمتها، وكبر لديهم هاجس تحسبوا له كثيرًا، وهو أن المخابرات المصرية ربما تقوم بخدعة كبرى، وأن إرسال «حلمي» بطائرة عتيقة لا تساوي شيئًا إلا لعبة مهارية خارقة من المصريين لتسريب معلومات مغلوطة عن «ميج 21» تربك بها حساباتهم ومعلوماتهم «غير اليقينية» عن بعض أسرار الطائرة، ونقاط تميزها.

http://onaeg.com/wp-content/uploads/2014/10/301885_3417310507621_699144858_n.jpg

وأعاد الإسرائيليون أسئلتهم على «حلمي» كثيرًا، وعرضوه على جهاز الكشف عن الكذب، وبينما الأسلاك الملتصقة برأسه وصدره تتصل بأجهزة رسم المخ، وقياس الذبذبات والنبض، كان 6 من الخبراء الفنيين دفعة واحدة يعكفون على استجوابه، حتى تفككت قواه، وبكى بحرقة في يأس طالبًا منهم إعادته إلى مصر، فإعدامه هناك أرحم من العذاب الذي يلاقيه عندهم.

ووفقا للكتاب، ورغم أن الرسوم الكهرومغناطيسية للجهاز الأمريكي الصنع، أثبتت أنه لا يكذب، فقد قال بعضهم: «الطيار المصري ربما أعد إعدادًا محكمًا لتلك المهمة، وأنه قد دُرب عليها عشرات المرات قبل أن يبعثوا به إليهم»، وتزامنًا مع ذلك كانت دائرة الشكوك داخل الموساد تضيق وتتسع، ومع ذلك، فقد اعتبر الموساد فرار الطيار المصري ثروة هائلة، ستدفع ربما بأحدهم من الطيارين إلى تقليده، والهرب بطائرته الأسطورية لإسرائيل، وعلى هذا ترك مصير الطيار المذعور إلى أن يقول الأمريكيون رأيهم النهائي.

وعندما تلقت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA تقريرًا وافيًا بما تم التوصل إليه، اتصل رئيس المخابرات المركزية (1) بالموساد يطلب منه مساعدة فريق من الفنيين، سيبعث به إلى تل أبيب لاستجواب الطيار المصري، واستبيان صدقه من عدمه.

ومن مطار «اللد» في تل أبيب، اتجه فريق الفنيين الأمريكي إلى مقر الموساد الجديد، حيث العشرات من خبرائها انعزلوا عن العالم المحيط بهم، وعكفوا على دراسة وتحليل كل كلمة تفوه بها «حلمي»، ومراجعة قياسات جهاز كشف الكذب من جديد، قبل أن يصافحه الأمريكيون بود، وأوصلوا رأسه وصدره مرة ثانية بجهاز حديث استقدموه معهم، كان بحجم حقيبة السفر، وذي قياسات تحليلية أفضل.

وسألوه مباشرة: «أي نوع آخر من الطائرات طرت بها بخلاف (ميج 21)؟»، وأجاب «حلمي» دون تردد: «السوخوي الاعتراضية su-9، والسوخوي su-7b ذات المقعدين».

وسُئل: «ما الفرق بينهما طولًا وعرضًا؟»، وأجاب «حلمي»: «لا فرق في الطول بينهما فطول كلتاهما 17 مترًا، وأقصى عرض للأولى 8 أمتار، والثانية 9 أمتار، والجناح مسحوب للخلف».

وسُئل: «ما تسليح السوخوي su-9 من الصواريخ؟»، وأجاب «حلمي»: «عادة صواريخ anab جو / جو، التي توجه راداريًا وبالأشعة دون الحمراء».

وسُئل: «بما تحلل تساوي مساحة الدرع الواقي من انفجار الطلقات على جانبي جسم الطائرتين؟»، وأجاب «حلمي»: «السؤال به خطأ، ففي السوخوي SU-7B التي أنتجت مؤخرا زيادة في مساحة الدرع الواقي بجوار المدفع، وهذا يدل على أن المدفع المركب بها، إما أن تكون سرعة الطلقة عند فوهة الماسورة عالية، أو أن معدل كثافة النيران مرتفع جدا».

وسُئل: «كم فرملة هوائية في كل طائرة؟»، وأجاب «حلمي»: «فرملتان في SU-7B و4 فرامل في الطائرة SU-9 في أزواج على جانبي مؤخرة الجسم».

وسُئل: «ارسم شكلاً لعدادات الطائرة السوخوي SU-9 مبيناً عدادا سرعة الانهيار بدون قلابات، وعداد معدل التسلق على مستوى سطح البحر».

وأوضح الكتاب أنه «بعدما رسم أشكالاً مختلفة لعدادات الطائرة، وأذرع التشغيل، طلب منه أن يرسم الأشكال نفسها الخاصة بـ(ميج 21)، وتوضيح عدادات التحميل، وأذرع القنابل والصواريخ والمدافع، ومبيّنات الأجزاء الهيدروليكية، والرادار وخواصه التكتيكية والفنية، وهوائي الرادار وكيفية تلاشي الإعاقة، وزاوية تشغيله يدوياً وهيدروليكياً، وعمله في التفتيش والمسح الواسع، والمسح الضيق في نطاق 45 درجة، وكذا شاشة المرسل النبضي ومبينات الاستعداد للهجوم، ومقدمات القذف الصاروخي والتشغيل».

ووفقا للكتاب، وبتفصيل فني شديد طلب منه أيضا «رسومات توضيحية لمفاتيح المناورة الحادة، والاشتباكات الجوية والقصف جو / جو، وجو / أرض، ووضع الاقتراب الدقيق والتتبع، وتقنيات الشاشات الملاحية الرادارية والتليفزيونية، ورادار قياس الارتفاعات ووصف المبين، ولوحة البيان بأقسامها العشرة العلوية والسفلية، وشاشة الخطر».

وعُصر الطيار المصري بواسطة خبراء الطيران في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعد التحقيق الذي استمر لمدة 6 ساعات، انتهت المخابرات الأمريكية إلى أن الطيار المصري «حلمي» ليس مدسوسًا، فهو طيار ماهر وذكي جدًا ودقيق للغاية، وحاصل على دورات تدريبية عديدة في موسكو، ولا يمكن لمصر أن تفرط في طيار من هذا النوع ليعمل كجاسوس، ومن هنا صدرت الأوامر بتغيير شكله لتوفير الحماية له، وتغيرت ملامحه بالكامل.

وبإخضاع «حلمي» للتحليل النفسي بواسطة متخصصون، وجد أنه أصيب بصدمة عصبية حادة ، انهارت لها أعصابه وبلغت مرحلة الخور Asthenia، نتيجة انحدار Decline مقاومته وإرادته، أوصلت به إلى حالة مرضية عقلية يمكن علاجها تسمى علميا «تبدلات الطبع» Alterations in charator، وهي حالة تدفع المريض إلى الاكتئاب والإهمال في العمل، وعدم الاهتمام بأسرته أو مظهره، وقد يرتكب سرقات خفيفة أو يستعرض نفسه.

http://www.marefa.org/images/f/f5/Alzafer1.jpg

وأوضح الكتاب أن قصة هروب الطيار المصري إلى إسرائيل، أشير إليها في حينها في وسائل الإعلام العبرية، المنحازة لإسرائيل، على أنها عملية مخابراتية بارعة، خططت لها الموساد في واحدة من أروع عملياتها، التي دفعت بها إلى نهايتها، ورُوِّجت أقاويل شتى عن كفاءة المخابرات الإسرائيلية، التي تطول عملياتها عمق النسيج العربي، وتخترق إجراءاته الأمنية الصارمة.

ورد مسؤول مخابراتي إسرائيلي على تلك الأقاويل بالنفي القاطع، مؤكدا أن «هروب (حلمي) كان لسبب أيديولوجي بحت لا دخل فيه لإسرائيل، وأضاف معلقا أن الحكومات العربية تروج لشعارات قومية كاذبة، لا يصدقها عقلاء، لأن لا وجود لها على أرض الواقع، وأن إسرائيل هي واحة الديمقراطية في المنطقة، وأبوابها مفتوحة لكل إنسان حر شريف، يسعى إلى حياة مطمئنة تفيض بالأمن والرخاء».

https://knesset.gov.il/history/images/103.jpg

وأكد المسؤول الإسرائيلي أن «الطيار المصري والمئات غيره من المواطنين العرب، الذين اختاروا اللجوء لإسرائيل، يعيشون بين أهليهم في وطنهم الجديد في اطمئنان، وبرغم كون إسرائيل دولة صغيرة المساحة، إلا أن سكانها، وهم ينتمون إلى خلفيات عرقية ودينية وثقافية واجتماعية متباينة، ذوي التزام خلاق في إعطاء زخم ديناميكي لاستمرار تطور المجتمع، وفقاً لمبادئ الصهيونية وهي الحركة القومية للشعب اليهودي».

وعلق مسؤول بوزارة الخارجية قائلاً: «منذ حققت إسرائيل الاستقلال السياسي، توافدت على البلاد جماعات كبيرة من البشر، ما أدى إلى تغيير التركيبة الاجتماعية الإسرائيلية ونسيجها، وكانت النتيجة أن تبلورت تركيبة جديدة، هي بمثابة مزيج من القيم، والأسس الاجتماعية لتكون الدولة التي واجهت مشاكل أمنية معقدة، نجمت عن إصرار الجانب العربي على رفض الاعتراف بإسرائيل، ومع ذلك، فنحن نرحب بكل من يلجأ إلينا من إخواننا العرب، للانضمام إلى نسيج المجتمع الإسرائيلي، الذي يحترم الأديان ويساوي بينها».

وذكر «الفالوجي» في كتابه: «لم يعلق الجهاز الإعلامي المصري في القاهرة، على الحدث علنًا، والتزم رئيس المخابرات العامة وقتها صلاح نصر الصمت، غير أن هذا الصمت كان يحمل كل دلالات الترقب، ويخفي وراءه معركة سرية، عندما خطط صلاح نصر ورجاله لاستعادة الطيار الهارب، وكانت الأوامر واضحة وحاسمة: (لا بد من اختطاف عباس حلمي ومحاكمته في القاهرة، مهما تكلف الأمر، لأنها رغبة عليا).

http://cdn.al-masdar.net/uploads/2013/11/2352539308.jpg

وهذا ما حدث بالفعل، وجيء به في صندوق من الأرجنتين، بعد تعقبه من إسرائيل حتى هناك رغم العمليات التجميلية التي أجراها له الإسرائيليون لتبديل ملامحه، والدروس الأمنية في الإخفاء والتمويه لتحصينه ضد الوقوع في خطأ يؤدي إلى كشفه، بالإضافة إلى الهوية الجديدة التي تخفى وراءها.

وكانت عملية اختطافه من القارة البعيدة لطمة صاعقة لأجهزة مخابرات إسرائيل، ولا تزال هذه العملية غامضة حتى الآن ولم يكشف عن أي من تفاصيلها.

التعليقات

قول تعليقك