Saf7aone

Menu

الشيخ محمد متولي الشعراوي يروي حكاية النائب الذي الغي مهنة البغاء في مصر .

c3159d5948df37f6c827c19513e8dcb9

الشيخ محمد متولي الشعراوي يروي حكاية النائب الذي الغي مهنة البغاء في مصر .

سيد جلال الجيلاني مبروك العدوي شخصية قلما تتكرر في التاريخ النيابي، ولد عام 1899 بقرية بني عديات مركز منفلوط بمحافظة أسيوط ، وقبل أن يبلغ سيد جلال عامه الخامس كان يعيش يتيمًا بعد وفاة والديه، ليبدأ سيد جلال رحلة جديدة في منزل خاله، الذي كان يتحلى بالمبادئ والفضيلة والقيم الحميدة .

وعندما بلغ الخامسة عشر من عمره انتقل إلى القاهرة ليقيم لدى أحد أقاربه ببولاق أبو العلا، الذي ساعده في أن يكون عاملًا في أحد المخابز ، حيث كان يوزع الخبز على دراجته للمحلات والمطاعم ، وقبل أن يتم سنواته العشرين قرر سيد جلال أن يغادر القاهرة ، ليلتحق بالعمل ساعيًا في إحدى الشركات اليونانية ببورسعيد، وبعد عدة سنوات استطاع أن يتعلم العديد من اللغات التي اكتسبها من خلال عملاء الشركة .

وقدر لهذا الفتي أن يشق طريقه بقوة.. وأن يصبح في سنوات قليلة من كبار المصدرين والمستوردين في مصر وأن يلعب دورا هائلا في الحياة السياسية وأن يكون نائبا في برلمان سنة 1945 وأن يرتبط اسمه بدائرة باب الشعرية علي مدي سنوات عديدة.. قبل الثورة وبعد الثورة.. وأن يكون شيخ النواب.. شيخ البرلمانيين، وأن يقود الحملة لإلغاء البغاء.. ويمسح عن جبين مصر هذا العار.!!

إنه سيد جلال صديق الشيخ الشعراوي الذي لم يكن يمضي يوم دون أن يراه أو يلتقي به في شقة الحسين..

يروي الشيخ الشعراوي عن صديقه سيد جلال كيف دبر المقلب لوزير الشئون الاجتماعية في شارع البغاء، والذي انتهي بصدور القرار الشهير.. قرار إلغاء بيوت الدعارة..

كما يروي كيف سمعه وهو في غيبوبة الإنعاش يرتل القرآن الكريم ويلحن فيه!

يقول الشيخ في حوار نادر مع الكاتب الصحفي سعيد أبوالعينين: “عمي سيد جلال” كان صاحب مواقف وطنية مشرفة. وقد اقترحت عليه أن يكلف أحدا بجمعها من مضابط مجلس النواب وأن يصدرها في كتاب للاستفادة منها، فهي حافلة بالدروس التي لا تعرفها الأجيال الجديدة..

سيد جلال هو الذي ألغي البغاء الرسمي.. الذي كان مصرحا به من الحكومة!

هو الذي مسح هذه الوصمة التي كانت تسيء إلي مصر.. مصر الأزهر الشريف.. مصر التي حققت علم الإسلام وصدرته إلي العالم كله.. مصر التي يخفق باسمها قلب العالم الإسلامي.. مصر التي شرفها الله بذكرها في القرآن الكريم..

مسح سيد جلال هذه الوصمة عن مصر.. استمر يقود الحملة لإلغاء البغاء عن مصر.. طوال ست سنوات، دون كلل، وكان تصميمه يزداد ، وعزيمته تقوي يوما بعد يوم ، حتي استطاع أن يسقط هذا العار ويمحو هذه الوصمة في سنة 1947.

ويروي الشيخ الشعراوي حكاية المقلب الذي دبره سيد جلال لوزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت وهو “جلال فهيم باشا” والذي أدي إلي إصدار القرار بإلغاء، بيوت الدعارة..

يقول الشيخ: كان عم سيد جلال نائبا في البرلمان في ذلك الوقت، كان عضوا في مجلس النواب سنة 1945 عن دائرة باب الشعرية وهي الدائرة التي ارتبطت باسم سيد جلال علي مدي سنوات طويلة، قبل الثورة.. وبعد الثورة كان دائما هو نائب دائرة باب الشعرية..

وكانت هذه الدائرة تضم أشهر شارع للبغاء العلني في مصر في ذلك الوقت وهو “شارع كلوت بك”..

وكانت هذه الحكاية تسبب له ضيقا شديدا..

فالدائرة دائرته، وهو كان يعيش فيها، وكان يتمزق ألما وحزنا، كما يقول، وهو يري منظر العاهرات وهن يقفن علي النواصي ورؤوس الطرقات، ويدعين الناس دعوات مفتوحة مفضوحة، ويتبادلن الشتائم والكلام المكشوف فيما بينهن، ويتسابقن لإغراء كل من يمر بالشارع، وجره إلي البيوت..

وقد انتهي به التفكير إلي تدبير “مقلب” لوزير الشئون الاجتماعية في ذلك الوقت لإحراجه ودفعه دفعا إلي العمل لإلغاء هذه الوصمة باعتباره الوزير المسئول الذي باستطاعته، لو أراد، أن يصدر قرارا بذلك..

وضع سيد جلال خطة محكمة للمقلب الذي دبره للوزير..

ذهب إلي الوزير “الباشا جلال فهيم”.. وقال له: إنه يعتزم إقامة مشروع خيري كبير، وأن هذا المشروع يضم مدرسة سوف يشرع في بنائها فورا، وأن موقع المدرسة قد جري تجهيزه وإعداده للبناء.. وأنه يسعده أن يأتي معالي الوزير لرؤية الموقع الذي هو ضمن المشروع الخيري الكبير، وأن أهالي الدائرة سوف يسعدهم تشريف معالي الوزير، ويشجعهم علي المساهمة في إقامة مثل هذه المشروعات الخيرية..

ووافق الوزير..

وفي اليوم المحدد.. جاء معالي الوزير وهو يركب الحنطور الذي أعده له سيد جلال لكي يشاهده أهالي الدائرة ويخرجون لتحيته..

وكان الاتفاق مع سائق الحنطور أن يدخل بمعالي الوزير إلي شارع البغاء الرسمي “شارع كلوت بك” وأن يسير به علي مهل!

وفي شارع البغاء.. وبمجرد دخول الحنطور.. تصورت العاهرات أنه “زبون” كبير! فتدافعن عليه وتسابقن إليه، وأخذت كل واحدة تشده لتفوز به، دون أن تعرف شخصيته!

وتحول السباق علي “معالي الوزير” إلي خناقة كبيرة بين العاهرات!

ولم يعرف “معالي الوزير” كيف يخلص نفسه من هذه الورطة!

وأدرك أن سيد جلال هو الذي دبر له هذا المقلب.. خاصة أن أحدا لم يتقدم لإنقاذه وتخليصه من أيدي العاهرات!

وجاهد “معالي الوزير” وهو يصرخ ويسب، حتي استطاع أن يخلص نفسه بصعوبة بعد أن سقط طربوشه، وتمزقت ملابسه، وامتدت الأيدي إلي جيوبه..

وكانت فضيحة..

وعاد الوزير إلي بيته وهو في حالة سيئة..

واستمر يشتم ويسب ويلعن سيد جلال، وأبو سيد جلال، واليوم الذي رأي فيه سيد جلال!

لكنه قبل أن تمضي أيام كان قد أصدر القرار بإلغاء البغاء!

وفوجئ بسيد جلال يدخل عليه وهو يضحك ويشكره علي شجاعته بإصدار القرار الذي مسح عار البغاء العلني والرسمي عن مصر! وقال له:

- لقد فعلت شيئا عظيما، وسوف يذكره الناس لك!

وهدأ الوزير، وقال لسيد جلال: وسيقول الناس أيضا: إنك أنت الذي دبرت “المقلب” الذي جعل الوزير يصدر هذا القرار!

ويتواصل حديث الشيخ عن سيد جلال.. وعن محاولة أحد النواب لإعادة البغاء مرة ثانية.. وكيف تصدي له سيد جلال في جلسة عاصفة في البرلمان!

يقول الشيخ: وحدث أن جاء واحد من النواب، من الإسكندرية، وتقدم باقتراح للمجلس لإعادة البغاء الرسمي!

وقال النائب صاحب الاقتراح: إن إعادة البغاء ستجعله محصورا في دائرة محددة، وأن البغايا سيتم الكشف عليهن صحيا علي فترات متقاربة، وهو ما يحمي من الأمراض السرية وانتشارها، وأن الشباب سيجد في بيوت البغاء الرسمي ما يبعده عن التعرض للنساء في الشوارع!

وصادف هذا الاقتراح هوي بعض النواب..

ووقف سيد جلال وقال: إن الذين يعتقدون أن إلغاء البغاء يؤدي إلي انتشار الأمراض السرية أكثر، هم علي خطأ.. وعندي الإحصائيات التي أعلنتها المؤتمرات الطبية العالمية والتي تثبت أن الأمراض السرية تنتشر أكثر في الدول التي تعرف نظام البغاء، وتقل في التي حرمته!

وقال سيد جلال: الذين يقولون إن الشباب بكل غرائزه الجنسية لا يعرف أين يذهب وماذا يفعل؟ هؤلاء يتصورون أن الشباب عجل يجري تسمينه وتكبيره علشان ينط! وأن علينا أن نهييء له بيتا للدعارة! ونساعده علي الفساد.. وينسي هؤلاء أن مشكلة الشباب أكبر وأعمق.. الشباب يعاني من الفراغ ومهمتنا أن نهييء له مجالات العمل، ليعمل ويتزوج ويقيم أسرة.. فالعمل سيعود عليه بالنفع، وعلي الدولة بالفائدة.. وقال سيد جلال: إن مصر نسيت مسألة البغاء، ولم تعد هذه المسألة في أفكار أحد، وإذا كان النائب صاحب الاقتراح بإعادة البغاء مصرا علي اقتراحه، فعليه أن يتبرع لنا بخمس سيدات من أسرته ليكن نواة لإحياء المشروع من جديد!

وضجت القاعة..

ولم يرد صاحب الاقتراح.. وخرج من المجلس، ولم يعد إليه!

الصورة لبعض العاملين في مهنة الدعارة في مصر سنة 1935 .

التعليقات

قول تعليقك